ابو البركات

447

الكتاب المعتبر في الحكمة

بعيدة فكل ما في عالم الحس من حسن وجمال وبهاء وكمال ، وبالجملة كل معنى معشوق لذاته فليس له نسبة إلى الموجود منه في عالم العقل اعني العلل الأوائل فكل ما تدركه النفوس في عالم الحس فتلتذ به فلذتها بما تدركه منه في عالم القدس تزيد على هذه اللذة زيادة المدرك على المدرك وكلما التقت في درجات العلية كان ذلك أكثر كما انها لما انحطت إلى آخر المعلولية كان قليلا كالأنموذج والأثر فإنها إذا التفتت إلى المبادى المعقولة رأت متفرق المحاسن التي كانت تعشقها في واحد تشتمل عليه أشواقها وتلتفت عليه بكنهها فيشتد به شغفها وقد كانت تجد في المحسوسات بعض ما تحبه مشوبا بما تكرهه . وفي هذا تجد الكل غير مشوب فان الشوب كان هناك للتركيب والمحوضة هاهنا للبساطة فتكون نسبة العشق إلى العشق كنسبة المعشوق إلى المعشوق وتزيد في النفس المفارقة لظلمة الأجسام الكثيفة وكونها له اخلص وعن غيره افرغ وإلى كنهه أوصل فتكون سعادتها به التي هي لذتها وخيرها أتم وأفضل ، وتكون نسبة السعادة إلى السعادة نسبة النيل إلى النيل فتكون السعادة العقلية التي للنفس ان تنالها بعد مفارقة البدن ان كانت اهلا لها هذه نسبتها إلى السعادة البدنية الخسيسة الدنية المشوبة بالأذى من الاضداد المنغصة بسرعة الزوال - وعلى أن هذه أيضا من اللذات والخيرات التي تنعم عليه بها لأنها نيل مناسب من حيث هو مناسب وذلك خير لا محالة ولو لم يكن خيرا لم يطلب فان كل طالب امر فإنما يطلبه من جهة هو بها خير له وانما هي شرور بالعرض لأنها اما ان تقطع للاشتغال بها في نيلها وبالشوق إليها في طلبها وبأسباب التوصل في ذلك الطلب إلى نيلها عن خيرات هي أفضل منها فتعد لمنعها عن تلك الخيرات الفاضلة شرورا ، واما ان تقارنها شرورا وتتبعها كما يتبع المطاعم آفات الأسقام والآثام العقوبات « 1 » والآلام التي لا يشعر الحس بها معها والعقل الضعيف ينقاد للحس القابل بالحاضر الظاهر الغافل عن الخفي عنه والتابع من الخيرات التي قطع عنها والشرور التي تقارن اللذات وتتبعها ، فأما لمن لا سبيل له إلى الأفضل ولا جناح عليه في نيل ذلك الأنقص فهي لذات نيلها سعادة وحرمانها شقاوة

--> ( 1 ) صف - العفونات .